صديق الحسيني القنوجي البخاري

381

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرج عبد اللّه بن أحمد وابن الدريس وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب الأحبار قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمة التوراة خاتمة هود وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية . استدراك فاتنا أن نعلق على الآيات التي مرت في سورة هود الواردة في بيان وظيفة الرسل بأوسع مما كتبه المؤلف فرأينا أن نستدركه هنا : وظيفة الرسل الأساسية هي ما بعثهم اللّه لأجله من تبليغ رسالته بإنذار من تولى عن الإيمان وعصى ، وتبشير من أجاب الدعوة فآمن واهتدى ، والشواهد عليها من هذه السورة قوله تعالى في دعوة رسوله خاتم النبيين إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [ هود : 2 ] وقوله حكاية عن رسوله هود صلى اللّه عليه وسلم : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ [ هود : 57 ] . وموضوع التبليغ هو الدعوة إلى أركان الدين ، وعليها مدار سعادة المكلفين في الدنيا والآخرة ، وكلها مبطلة لما كان عليه أقوامهم المشركون من أن بينهم وبين اللّه تعالى وسائط منهم أو من غيرهم من خلقه يقربونهم إليه بجاههم الشخصي ويقضون حوائجهم من جلب نفع أو دفع ضر بشفاعتهم لهم عنده ، أو بتصرفهم في خلقه بما خصهم به من خوارق العادات ، إلا ما جعله من آياته دليلا على صدقهم في دعوى الرسالة . والرسل بشر بمعنى أنهم لا يملكون من أمور العالم شيئا مما هو فوق كسب البشر ، غير ما خصهم اللّه به من الرسالة دون شؤون ربوبيته ، حتى أنهم لا يملكون هداية أحد إلى الدين بالفعل لأن هدايتهم خاصة بالتبليغ والتعليم ، وحكاية نوح مع ابنه الكافر حجة في هذا الموضوع واضحة . والشواهد على هذا في القرآن كثيرة ، ومنها في هذه السورة ما علمت من آيات توحيد الربوبية ، والردّ على مشركي مكة في اقتراحهم مجيء الملك بقوله تعالى فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ هود : 12 ] وقوله حكاية عن نوح وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [ الأنعام : 50 ] وفي معناه آيات كثيرة في السور الأخرى . ومنها في احتجاج المشركين على رسلهم بأنهم بشر في قصة نوح فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا [ هود : 27 ] وقد قال مثل هذا سائر أقوام الرسل بعده إلى خاتمهم محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين . ولو كان أولئك الرسل في عصرهم على غير ما يعهد أقوامهم من البشر بأن كانوا يتصرفون في الكون بالضر والنفع وعلم الغيب لما احتجوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما